الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ممنوع الاقتراب والتصوير ...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى المكبر



عدد المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
العمر : 56

مُساهمةموضوع: ممنوع الاقتراب والتصوير ...   الإثنين فبراير 23, 2009 3:24 pm

ممنوع الاقتراب والتصوير
فى الشارع ..
على الطوار ..
تخطو أم البراء هادئة هانئة .. على وجهها المجعد تتداخل علامات الفرح بآيات النشاط رغم آثار حزن باق وضعف ملازم تبسطهما الأحداث .. ألفت ماخلع عليها سعادة ليست فيها .. فحدثت نفسها :
ــ هيه .. تبدو فى الأفق نقطة راحة .. بعد يومينً تزف الزهراء إلى ابن عمها .. وتفسح المجال لشقيقها البراء الذى أرجأ زفافه إلى مابعد زفافها مدفوعاً بخلة الشهامة المتأصلة فى نفسه .. ويتم التوأم جهاد وإياد دراستهما الجامعية هذا العام .. ويتمثل العبء الذى أرزح تحته فى خالد الصغير فحسب ..
رغبتها فى إسعادهم تصرع كل شىء أمامها ، ودائما ماترهق ميزانيتها ..
تتسع بسمتها دخيلة نفسها .. فتضيف :
ــ الجميع اليوم فى أجازة لإنجاز بعض الأعمال المتعلقة بزفاف الزهراء .. سأعد لكل منهم طعامه المفضل ..
وعلى مألوف عادتها فى كل مناسبة .. تئوب إلى الطواف فى الفصل الرحب من حياتها .. فصل جمع وجودها المشترك مع أبى البراء ورسم معالمه .. يحمل فى باكره ملامحها الأولى كزوجة .. وفى آخره ملامح صعود أبى البراء فى موكب الشهداء قبل أن تعلو به السن ولم يسلخ خالد الصغير من الأيام سوى عام .. وبين باكره وآخره ذكريات لم تطو الأيام والليالى منها شيئا .. تجترها راضية .. فتسترسل :
ــ رحم الله أبا البراء .. ورحم أكناف برٍ وأعطاف رجولةٍ .. تقلبت فيهما ورتعت .. سنون عشر مضت على رحيله .. رغمها خلد بذكراه .. وبقى بأريحيته .. يمثل طيفه فى كل أشياء عالمى وعليها .. أشعره ملء الحياة .. أنفاسه الطيبة لازالت تختلط بهواء أنفاسى .. ولولا رحمة الله بى لوقفت فى إثره حائرة ضائعة ..
بعد غياب طال ألمَّ بمنامى أمس زائراً........
.. كانت قد صفـَّت قدميها فى ليلتها بين يدى الله .. قامت ماتيسر لها من قيام .. أوت إلى مضجعها .. استلقت فى غفوة قصيرة تقوم بعدها لصلاة الفجر .. ألمّ بها الزائر الغالى ..
تغمض عينيها وتفتحهما متتبعة آثار وخُطا رؤياه فى نفسها .. بعينين مرهفتين .. مملؤتين غبطة وإكباراً تفحصته جيداً .. كان مشرقاً .. صافى القسمات .. يبرق النور فى عينيه وعلى وجهه .. قرأها السلام .. غيَّب خالداً الصغير فى أحضانه .. قبـَّله .. ثم دفعه نحوها فى حنو .. صافح بقية الأولاد .. تلبث بينهم لحظة خاطفة .. زفر فى راحة وبصره موصولاً بأبصارهم .. استدار منصرفاً.. تاركاً بصمة زيارته على صفحة شعورها ..
تهز رأسها :
ــ يالسعده .. يالهناه .. كان ألزم لعبادته من طعامه وشرابه .. طفق يعمل للجنة حتى نهاية شوطه وغاية مطافه ..
.. تصل أم البراء إلى السوق .. ضجيج وعجيج تغلفهما روائح طازجة ..
تسبقها نظراتها باحثة عمَّـا تريد.. تتبع خطواتها نظراتها .. ابتاعت لحما وسمكا ودجاجا ......
التفت صوب تجمع بائعى الفاكهة .. تتسع داخلها مساحة البسمة :
ــ ولكل من الأولاد فاكهة المفضلة أيضاً ....
آآآآآآآه .. فى يقظة الضمير العالمى الغريقة فى جورلامتناهى .. صرخت غزة .. ارتجت الأرض من تحتها ..
بادلتها أم البراء ارتجاجاٍ بارتجاج .. وصراخاً بصراخ :
ــ بلدى .. ولدى ..
طائرات صهيون تستبيح السماء والدماء .. الشجر والحجر ..
أسدلت على غزة قناع صهيون الوحشى القبيح فتخضب وجهها بالدماء.. واتشح ثوبها بأعمدة الدخان وألسنة اللهب ..
.. بين غمار من الناس .. تثب أم البراء .. بقدر ماتتيح لها قوتها تهرول ميممة شطر الدار.. تتراخى قبضتاها .. تأبه لما تحمل من طعام الأولاد المفضل .. فتشد قبضتيها عليه ..
تثب .. تهرول .. تقف .. تصمت .. تحملق .. تصرخ .. تترنح .. تنحنى .. تجثو مسلوبة الحيلة والفكرة .. ممزقة الخاطر والرؤية ..
تملأ عينيها بمشهد أنقاض الدار المختلطة بأنقاض المسجد المجاور .. فى دفعة واحدة ينسل أمن فؤادها .. يترع كمداً سيظل ينزفه ..
تملأ عينيها بمشهد الفجيعة المرعبة .. فى دفعة واحدة ينسل تركيز ذهنها .. تذهل عن كل الأصوات التى تنتظم سباباً وصراخاً .. نداء ودعاء .. لاتلقى يقظتها بالاً لكل الحركات السريعة والنشيطة الباحثة عن أحياء تحت ركام أحقاد صهيون السوداء .. وأنقاض عنصريتهم البغيضة ..
يتسمر بصرها على الأنقاض حادا ..
تنظر إلى آلاف الأعوام من الألم الموصول بالمرارة .. آلاف الأعوام التى يكفى ألم اللحظة الواحدة منها لشطر القلوب .. وإيقاف العقول .. وضلال الألسنة ..
إن أولادها تحتها صرعى بعدما سعت جهدها لتربيتهم .. وتهيئة أسباب السعادة لهم ..
يود بصرها التكذيب فيعجز.. يلتمس مهرباً وفراراً فيعجز .. وتحت وطأة المفاجأة المفجعة .. تستريب فى حال اليقظة التى هى عليها .. تتمنى على خيالها الأمانى .. تتخيل أن ماتراه ليس إلا أضغاث أحلام ......
ولكنها حقيقة وقعت !!!
تصدمها رياحها فتتداخل فى أسماعها أصداء كل الفواجع .. وتتدافع فى وجدانها كل آلام الثكالى وآنات المحزونين ..
إنها محنة انتظمت كل قساوة المحن المريرة ..
هل من سبيل إلى وصف مشاعرها ..؟؟
هل نستطيع الاقتراب والتصوير .. ؟؟
لا.. ممنوع الاقتراب والتصوير .. فمثلها لا يدركها إلا من انغمس فى نارها ..
.. لم يبق غير السماء لها .. لاذت عيونها بها .. سألت نفسها محتدة :
ــ هل هى لحظة الانكسار ؟؟
أجابتها فى روية :
ــ لا .. إنما ينكسر غيرنا ..
تتساءل ولا زالت على حدتها أو لازالت حدتها عليها :
ــ أما كنت تنشدين السعادة لهم ولكِ ؟؟
بئست السعادة فى غير الجنة .. فاحتسبيهم واسترجعى ليكونوا فرطكِ إلى هناك ..
شهقت .. زفرت .. هدأت ..
التمعت قوة العقيدة فى فؤادها .. سعت بها إلى القمة .. وسعت بجبروت صهيون إلى القاع .. هوى مسرعاً كصخرة هوت من عل واستقرت تحت قدميها ..
ودون أن تعطى لنفسها فرصة لالتقاط الأنفاس .. جعلت تردد فى لهجة منغمة أسيانة :
ــ إنـَّا لله وإنـَّا إليه راجعون ..
صابرون والله .. والله صابرون
أيدى تجذبها .. ألسن تهتف بها :
ــ خرج الصغير حيـَّا .. خالد بخير ..
حملوه إليها .. فتحت ذراعيها .. ضمته .. شمته .. هتفت به :
ــ عش لتثأر .. دمك هبة للقضية ..
انخلع الصغير من أحضانها .. تراجع خطوة للخلف .. وبعين اختلطت على صفحتها الدماء بالدموع .. مد يداً جريحة مرتعشة وضعها فى يد أمه مبايعاً وهو يحاول تثبيتها .
.................................................. ...............................................
ممنوع الاقتراب والتصوير \ من مجموعة (حكايات من غزة) مصطفى حسين المكبر \ تحت الطبع بالمكتبة التوفيقية بالقاهرة .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ممنوع الاقتراب والتصوير ...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: قسم الترحيب بالاعضاء الجدد :: من اجل فلسطين الحبيبه-
انتقل الى: